عمال المعرفة الاستثمار المضمون

عُمَّال المعرفة…الإستثمار المضمون

أحمد بن ناصر بن سليمان الناعبي

أخصائي مشاريع

هيئة تقنية المعلومات

 

في الوقت الذي يستشعر فيه الكثير من العمانيين بالقلق المتزايد؛ حول سيطرة القوى الوافدة على المناصب القيادية في كثير من موؤسسات القطاع الخاص، وتزايد نسبة وجودهم في تخصصات معينة بحجة عدم وجود الكفاءات الوطنية. حيث يوجد اليوم قرابة 42 الف مدير وافد في القطاع الخاص، من أصل 53 الف منصب في وظيفة مدير؛ كما صرح بذلك وزير القوى العاملة في حديث له، نقلته جريد الزمن وتناقلتها وسائل التواصل الإجتماعي بعلامة إستفهام كبيرة. كما بلغت نسبة التعمين في قطاع الإختصاصين في المواضيع العلمية والفنية والإنسانية قرابة 18,4% فقط. إضافة لكل ذلك فقد بلغت نسبة إستقالة العمانيين من القطاع الخاص قرابة 83 ألف موظف من بداية يناير 2013م حتى نهاية مايو 2014مناهيك عن الإعداد التي استقالت بين عامي 2011م و 2012م.

تستدعي كل الأرقام المذكورة سابقا إلى إعادة النظر بشكل جدي في سياسة التعمين المتبعة لدينا. ودراسة أثر القرار منذ تطبيقه حتى الآن، ومدى التحديات التي واجهتها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، والحيل التي ابتكرت لتجاوز القوانيين والإلتفاف عليها، والعدد الكبير من المؤسسات الصغيرة التي أغلقت أبوابها لعدم استمرار الموظف العماني في الوظيفة الإ لعدة أشهر.

لا ينبغي أن تعمينا الرغبة في تخفيض القوى الوافدة في إتخاذ قرارات ربما ستكون نتائجها في المستقبل مكلفة بشكل كبيروغير محسوبة بعناية. فمن الملاحظ أن هذه الخطط ركزت بشكل أساسي على تعمين الوظائف الدنيا، في الوقت الذي كنا فيه بحاجة لرفع مستوى الكودار الوطنية، وتمكينها من الوظائف التخصصية والقيادية. وهذا ما خلق تحدي حقيقي لسياسات التوظيف في البلد؛ فقد حدثت هجرة كبيرة من القطاع الخاص إلى القطاع الحكومي. حين فتحت الحكومة أحضانها لإستيعاب أعداد كبيرة من الموظفين خلال السنوات الثلاث الماضية، في حين كان المفترض أن يحدث العكس. وفي نظري أن سياسة التعمين الحالية لن توصلنا للهدف الذي تسعى له الدولة في توفير حياة كريمة وعادلة للمواطن. واستمرار الجهات المعنية في تعمين وظائف دنيا جديدة، وتشديد الإجراءات في استقدام القوى الوافدة سيكلفنا الكثير في المستقبل. أهمها أرتفاع تكلفة المنتجات والخدمات المقدمة من القطاع الخاص وغيرها الكثير.

يقودني كل ذلك لطرح خيار ضمن مجموعة من الخيارات الكثيرة، التي ينبغي ان تقوم بها الحكومة في عصر إقتصاد المعرفة. الذي يشكل فيه الكادر البشري المدرب والحاصل على تعليم متقدم أصل رئيسي من أصول الدول المتقدمة، وقيمة مضافة في عملية الإنتاج. حيث تتجه الدول اليوم الراغبة في التحرك نحو التنمية والمنافسة الإقتصادية على الكعكة العالمية إلى رفع نسبة عمال المعرفة لديها. فقد أصبحت المعرفة في القرن الحادي والعشرين قيمة مضافة في كل عملية إنتاج. لذلك تتنافس الدول والشركات في جلب أفضل الكفاءات والخبرات على مستوى العالم؛ لرفع القيمة المضافة لديهم سوءا على مستوى الخدمات او المنتجات.

إن اول مرة طرح فيها مصطلح عمال المعرفة أو العامل الخبير كان في العقد السادس من القرن الماضي على يد عالم الإدارة بيتر داركر. الذي يعرفه: على أنه “الشخص الذي يستغل طاقته الذهنية في الإنتاج والعمل” أو بمعنى آخر هو “الشخص الذي يكون رأس ماله هو المعرفة” حسب تعريف ويكيبيديا. ويتوقع الخبراء أن يفوق إنتاج عصر عمال المعرفة إنتاج العصر الصناعي خمسين ضعفا، في الجانب الأخر يُعرّف اقتصاد المعرفة (Knowledge Economy) على أنه هو ذلك الاقتصاد الذي يشكل فيه انتاج المعرفة وتوزيعها واستخدامها المٌحرك الرئيس لعملية النمو المستدام، وخلق الثروة (علة، 2010). ويعتبر العنصر البشري المدرب والحاصل على تعليم قوي أحد ركائز إقتصاد المعرفة حسب تحديد الأدبيات المطروحة في هذا الجانب.

في زيارة قام بها الرئيس الكوري السابق لعمان، القى فيها كلمة لطلاب جامعة السلطان قابوس حول السر الذي حول كوريا من دولة كانت تنتمي للعالم الثالث إلى دولة متقدمة حيث قال: ” التعليم هو من بنى كوريا الجنوبية؛ وهو ما يجب أن يبني عمان وليس النفط”. لقد تابعنا بشغف المستجدات التى حصلت في الفترة الأخيرة والتوجيه الذي صدر من جلالة السلطان بمراجعة العملية التربوية في السلطنة. وكلنا أمل أن يخرج مجلس التعليم بخطة وطنية واضحة المعالم، لتحسين العملية التعليمية، ونقلها لمصاف الدول المتميزة في هذا الجانب.

في الجانب الآخر لا بد أن تستند هذه الخطة على خطة السلطنة 20/40 ، والتي من المفترض أن تكون واضحة المعالم حول المجالات الثلاث الرئيسية التي تسعى السلطنة للمنافسة بها على الصعيد الإقليمي والعالمي. لا يوجد دولة اليوم تستطيع أن تنافس في مجالات كثيرة، كما أن السوق العالمي والإقليمي شديد المنافسة ويتجه نحو التخصصية. فاذا لم يربط التعليم بهذه الخطة، فإننا سندور في دوائر فارغة مرات كثيرة، وسينتهي الوضع بالمخرجات التعليمية في مجالات عمل لم تؤهل لها. وبالتالي تضيع إستثماراتنا في مجالات غير التي نسعى للمنافسة بها.

الجانب الثاني لصناعة كوادر وطنية ذات كفاءة عالية وزيادة أعداد عمّال المعرفة هو التدريب والتطوير. حيث يعمل التدريب على تحقيق ثلاث أهداف رئيسية وهي نقل المعلومات الحديثة، وتغير القناعات السابقة، وأخيرا تغير السلوكيات وتنمية المهارات. أن العلم في عصر المعرفة يتطور كل ثمانية أشهر، فالمعلومة التي ننتجها اليوم؛ ربما تصبح غير مناسبة بعد ثمانية أشهر، أو وجدت تحديثات مهمة عليها. فالعالم يعيش تدفق معلوماتي كبير يفرض الكثير من التحديات على الموظفين وعمال المعرفة. ففي الوقت الذي يركن فيه العمال للدعة والراحة وعدم الحرص على تطوير معرفتهم ومهارتهم يكون الكثيرين من زملائهم حول العالم تجاوزوهم بمراحل. ويقع عاتق التدريب على المؤسسات سواء الحكومية أو الخاصة، كما يتحمل الفرد ذاتة مسؤولية تدريب نفسه في حال عدم وجود التدريب من الجهات التي يعمل بها أو التوسع في مجالات جديدة للإرتقاء بقدراته وزيادة فاعليته. وينغي أن يدرك المسؤولين وصناع القرار في المؤسسات إلى نوعية التدريب المقدم للعاملين معهم ومدى تأثيره على رفع إنتاجية موظيفهم والمؤسسة بشكل عام. فالحرص على توفير البرامج التدريبية القوية التى تستخدم أفضل وسائل التدريب سيعود أثره بشكل مباشر أو غير مباشر على تطوير عمال المعرفة وزيادة القدرة التنافسية للمؤسسة في السوق.

أحتكاك الموظفين بالخبراء وبالمؤسسات العالمية هو العامل الثالث في رفع عدد عمال المعرفة في أي دولة. سواء من خلال وجود الإستثمارات العالمية في البلد نفسه، أو منافسة الموظفين للعمل بهذه المؤسسات والإلتحاق بأحد أفرعها خارج البلد. هناك عدد كثير من الخبرات والمهارات لا يستيطع التعليم والتدريب توفيرها، حيث تكتسب بالعمل على يد خبراء لفترات طويلة، وبيئات داعمة للتعلم وتطوير القدرات. ينبغي للدول النامية أن تستثمر في نسبة معينة من مورادها البشرية، وتشجعهم على العمل في الخارج ومن ثم بعدها تتيح لهم دفة القيادة في مؤسساتها المحلية. وأيضا إتاحة الدولة الفرص للشركات والمؤسسات العالمية للإستثمار وإيجاد قوانيين مشجعة للبقاء طويلا والعمل بعقلية للفوز للجميع تساعد في خلق الكثير من الكفاءات الوطنية على المدى البعيد.

الإستثمار في البشر والمعرفة هو الوجهة المضمونة في القرن الواحد والعشرين. ربما تتعرض الموراد الطبيعية للنضوب في المستقبل الإ أن الموراد البشرية والمعرفة متجددة بشكل دائم. لقد مكنت المعرفة والكوادر البشرية المعدّة دول مثل الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا والهند وغيرها الكثير من الدول في المشاركة من الحصة العالمية والمساهمة في الإنتاج العالمي. وعلى الرغم من أن الإستثمار في البشر يعتبر مشروع طويل المدى الإ أنه لو توفرت له ثلاث أشياء رئيسية سيسرّع من هذه العملية:

اولا: وجود الرؤية الواضحة التي تدرس المستقبل وتستعد له، ومن ثم تتكيف مع المستجدات والتطورات التي يشهدها الواقع. مع ضرورة مراجعتها بين كل فترة وأخرى وتقويمها على الطريق الصحيح. وأيضا الإستعانة بالخبرات العالمية في التخطيط للدول والإستعانة بالدول الناجحة.

ثانيا: وجود كفاءات وقيادات شابة على هرم المؤسسات الحكومية والخاصةعلى مستوى الصف الأول والثاني والثالث. تمتلك من المرونة والرغبة في التغير والتقدم ما يؤهلها لتنفيذ الرؤى والإسترتيجيات المطروحة. اهتمام الدولة في البحث عن هذا النوع من القادة وإتاحة الفرصة لهم سيساعدها كثيرا في إحداث قفزات اقتصادية وإجتماعية.

ثالثا: وجود نظام إداري حديث يبتعد عن البيقراطية ويوظف التقنية في الإدارة المؤسسية. أن وجود رؤية واضحة وقادة متميزين بدون وجود نظام إداري يستوعب كل هذه التغيرات فلن يخدم التوجهات بالإنتقال لعصر المعرفة وعمالها. فنظام الإدارة العسكري لم يعد مجديا في ثورة الإتصالات وتقنية المعلومات وإختلاف أنماط وطبيعة الأعمال المؤسسية.

الأعداد الكبيرة من القوى الشابة في وطننا العربي وفي السلطنة، تمثل ميزة تنافسية قوية ينبغي إستغلالها وتوجيهها في المسار المناسب. في الوقت الذي بدأت فيه الكثير من الدول المتقدمه تتجه نحو الشيخوخة وتفقد لياقتها السكانية. وفي بلد صغير مثل عمان لا يتجاوز عدد المواطنيين فيه مليوني نسمة نحتاج لعمّال معرفة كثر في مجالات النفط والغاز والهندسة والطب والتقنية وغيرها. أن المراهنة على تعمين الوظائف الدنيا لن يحل مشكلات التوظيف لدينا ولن يغنينا عن جلب المتخصصين من الخارج. ربما يفعل ذلك على المدى القصير ولكن على المدى الطويل فإن ذلك لا يرضي طموح المواطن في رغبته للترقي في العمل وشغل مجالات تحقق له مستوى دخل يكفل له حياة كريمة وتؤمن مستقبل أبنائه وأسرته.

لقد أحدثت المعرفة نقلات نوعية في كثير من الصناعات والمجالات العلمية والإنسانية. وأحدثت قيمة مضافة على كثير من خطوط الإنتاج وأصبحت المعرفة في حد ذاتها سلعة تباع وتشترى. وساهمت في تسطيح العالم على حد تعبير توماس فريدمان في كتابه “العالم مسطح” الذي يتحدث فيه عن العوامل التي سرّعت من العولمة في العالم. فالمعرفة جعلت ساحة اللعب الإقتصادية أشبه بلمعب مستوي يتنافيس فيه الجميع للفوز. الإ أن هذا التسطح أو نفوذ العولمة يفرض تحديات جديدة وطرق تفكير مختلفة على إقتصاديات العالم وعمال المعرفة على حد سواء. من حيث كم السرعة التي نجري بها، وكم المعلومات المتدفقة. لذا ينبغي على الدول الراغبة في الإستفادة من هذا التسطيح، أن تزيد من الوتيرة التي تعمل بها؛ حتى تدرك الركب، وتسير ضمن قافلة التنمية.

السلطنةاليوم مؤهلة للدخول إلى عالم اقتصاد المعرفة بعد أن أستكملت بناء معالم البنية التحتية. ولعل الدراسة التي يعدها مجلس البحث العلمي حول تحول السلطنة لإقتصاد المعرفة ترى النور قريبا. كما أنّ بناء الإنسان العماني معرفيا، وتطوير مهارته وقدراته، ينبغي أن يكون حديث المرحلة القادمة، وهدف خطط التنمية الخمسية. يستطيع الإنسان العماني أن يعيد الحضارة التي بناها أجداده في السنوات السابقة لكن بطريقة العصر الحديث وفلسفته.

عمان بلد عظيم، وتحظى بقائد عظيم ،ويعيشها شعب عظيم..

أفلا يحق لها أن تدخل السباق في عالم المعرفة..

  1. جريدة الزمن، 18 فبراير 2014. تم استرجاعها من http://www.azamn.com/?p=50290
  2. علة، مراد (2010). الاقتصاد المعرفي ودوره في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأقطار العربية -دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية أنموذجاً – . رسالة دكتوراه غير منشورة.

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*