تعزيز عناصر الإنتاج في مواجهة الثقافة الاستهلاكية

د سهيل مقابلة

تؤكد إحصاءات البنك الدولي على متانة المؤشرات المالية العامة للدولة كانخفاض نسبة الديْن العام إلى الناتج المحلي الإجمالي (5%عام 2010م)، وانعدام نسبة العجز في الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات القليلة الماضية وتحقيق فائض في بعض السنوات خلال العقد الماضي. فضلا عن تصنيف البنك الدولي السلطنة كإحدى الدول ذي الدخول المرتفعة (195 ألف دولار عام 2011م و 21560 دولار عام 2012م)، مع تحسن  في العمر المتوقع خلال العقود الماضية إلى أن وصل إلى 77 عاما في العام 2012م. ولعل وفرة الأموال العامة هي الحافز الرئيس لإقدام الحكومة على تغيير هيكل الرواتب التي قررتها حكومة السلطنة مؤخراّ.

وفرة السيولة وتسرب الأموال

كما تشير إحصاءات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات على تزايد السيولة المحلية من 8785 مليون ريال عام 2010م إلى 10912 مليون عام 2012م، في الوقت نفسه التي تزايدت فيه  القروض الشخصية والواردات السلعية بشكل ملفت من 4285 مليون إلى 5804 مليون، ومن 7603 إلى 10811 مليون ريال خلال نفس الفترة، الأمر الذي سيؤدي إلى تسرب رأس المال الوطني، وسيادة الثقافة الاستهلاكية على الثقافة الادخارية فضلا عن الاتكالية على الغير، كما قد يرافق الاستهلاك الزائد تراكم الديون وما له من آثار نفسية ومالية على الفرد وعدم القدرة على السداد وتوريط الكفيل (في عمان 40% من القروض شخصية استهلاكية).

في ضوء تلك المؤشرات، وبعد قرار الحكومة القاضي بزيادة الرواتب التي شملت شريحة واسعة من موظفي القطاع العام، وفي ظل غياب معدلات الضريبة على دخول الأفراد وانخفاض رسوم الخدمات الحكومية المقدمة للمواطن وربما تقديمها مجانا في بعض الأحيان كتوفير الخدمات الصحية والتعليم، فضلا عن الدعم الحكومي لبعض الخدمات الأخرى والسلع الأساسية، والتوسع في الابتعاث الدراسي الداخلي والخارجي. لا شك أن جميع هذه العوامل ستساهم بلا أدنى شك في تعزيز دخل المواطن المتاح القابل للاستهلاك أو الادخار أو لكلا الغرضين معا، فزيادة الدخول بشكل ملحوظ تشكل فرصة حقيقية للتفكير ومراجعة الأنماط الاستهلاكية التقليدية والتفكير الجدي في غرس الثقافة الادخارية والاستثمارية.

الا أن التخوف الحاصل هو أن تلك الظروف قد تساعد على تكريس الأنماط الاستهلاكية، الأمر الذي يقتضي من المخططين وأصحاب القرار وغيرهم من فئات المجتمع إلى توجيه الموارد بشكل يعزز من معدلات الادخار والاستثمار وتغيير السلوك الاستثماري.

الاستثمار  .. كالوقود للمركبات

يستمد الادخار أهميته الاقتصادية من خلال علاقته الوثيقة في الاستثمار، فالاستثمارات تمول من خلال المدخرات، وانخفاض الادخار سينعكس سلبا وبشكل مباشر على الاستثمار. وهذا يعني أن زيادة الادخار سيعمل بلا شك على دفع عجلة الاستثمار في الاقتصاد الوطني الذي يعتبر المحرك الأساسي لتحقيق النمو الاقتصادي باعتبار الاستثمار للاقتصاد كالوقود للمركبات، وخاصة تلك الاستثمارات التي تنسجم مع السياسة الاقتصادية الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وتعمل على تحقيق النمو المتوازن الذي يستهدف تنمية شريحة كبيرة وواسعة من النشاطات الاقتصادية المدرة للدخل، وتوفر فرص عمل حقيقية ومستدامة للباحثين عن عمل من المواطنين في ظل التزايد المستمر للداخلين الجدد إلى سوق العمل المحلي من المواطنين. وهذا سيساهم في تعزيز تحقيق التنمية الاقتصادية الحقيقية التي ستنعكس على المواطن على المدى المتوسط والبعيد من حيث زيادة دخله المستقبلي وفرص العمل المتوفرة وتحسن مستويات المعيشة الناتجة عن النمو الحقيقي في متوسط دخل الفرد بشكل تراكمي ومستمر، وما يرافق ذلك من تحسن في الخدمات والبنى التحتية التي ستنعكس على مستوى الرفاه الاقتصادي الذي سيشعر به المواطن ويعيشه.

 

توجيه  الأموال .. نحو الإنتاج

فالادخار يعني تقليل الاستهلاك؛ لأنه يعمل على تقليل الطلب على السلع الاستهلاكية وتوجيه الأموال نحو عناصر الإنتاج لإنتاج السلع الرأسمالية التي تستخدم في العملية الإنتاجية وتعزيز النمو الاقتصادي الذي يعتبر شرطا أساسيا من شروط تحقيق التنمية الاقتصادية. وبالمقابل فإن انخفاض حجم الادخار المحلي للسلطنة  وعدم كفايته في تمويل الاستثمارات المطلوبة، سينعكس على انخفاض حجم التراكـم الرأسمـالي (تمويل الاستثمارات) وانخفاض معدلات النمو الاقتصادي. ومن الجدير بالذكر أنه لا تقتصر الفائدة من الادخار في عملية الاستثمار فقط، بل تتعداها كذلك إلى اعتبار الادخار وسيلة لمواجهة الظروف الطارئة وغير المتوقعة لا قدر الله. وربما يقبل الناس على الادخار لمواجهة الاحتياجات المستقبلية لأغراض البناء أو تعليم الأبناء أو لمواجهة الشيخوخة وغيرها من الدوافع الادخارية.

ارتفاع الدخول قد يؤدي بشكل طبيعي إلى زيادة الاستهلاك والادخار، إلا أن عملية توزيع تلك الدخول بين الاستهلاك والادخار يتطلب التعامل العقلاني من قبل المواطنين إلى تغيير الأنماط الاستهلاكية السائدة لصالح الادخار، وخاصة إذا تم تلبية الحاجات الاستهلاكية من الدخول السابقة قبل زيادة الدخول، الأمر الذي يعزز من المدخرات، ويقتضي ذلك تغيير سلوك المستهلك وضبط السلوك الشرائي والتقيد بنمط استهلاكي متوازن، ذلك لأن السلوك الخاطئ في عملية الشراء قد يعود بالضرر على المواطنين أنفسهم وخاصة ذوي الدخول المحدودة الناتجة عن ارتفاع الأسعار بسبب الطلب المتزايد والإقبال غير المبرر على الشراء.

الهند والبرازيل والصين

وحتى تنعكس زيادة الرواتب والدخول إيجابا على الأفراد بشكل خاص والاقتصاد الوطني بشكل عام، لا بد من تعزيز الادخار بغية استثمارها مباشرة أو ادخارها في المؤسسات المالية المحلية وتعزيزها مع الوقت لتكون متاحة للمقترضين للأغراض الإنتاجية والاستثمارية، وليس للأغراض الاستهلاكية فحسب، فالادخار يعد ركيزة من ركائز النمو والتنمية الاقتصادية، فكثير من الدول التي اتصفت بالفقر لعقود طويلة كالهند والبرازيل والصين التي حوت على عشرات الملايين الفقراء فيها لم تكن قادرة على النهوض اليوم وخلال السنوات القليلة الماضية لولا تغيير الفكر والسلوك وأنماط الاستهلاك وبناء الثقافة  لدى أفراد المجتمع بأهمية الادخار إلى أن وصلت نسب الادخار فيها إلى 30% وربما أكثر في بعض السنوات رغم العوز وضنك العيش. وهذا ما أكده تقرير صدر مؤخرا للبنك الدولي خلال العام الماضي 2013م بعنوان “رأس المال من أجل المستقبل: الادخار والاستثمار في عالم مترابط”،  “أنه بعد سبعة عشر عاماً من الآن (2030م)، فإن نصف استثمارات العالم، بإجمالي 158 تريليون دولار، سيكون في بلدان العالم النامية، مقارنة بأقل من الثلث اليوم”. ويستعرض التقرير أنماط الاستثمار والادخار وتدفقات رأس المال وفقا لاحتمالات تطورها على مدى العقدين المقبلين. أي أن حصة البلدان النامية من الاستثمار العالمي من المتوقع أن تزيد إلى ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030م لتمثل نسبة 60% من الاستثمار العالمي، مقابل 20% فقط في عام 2000م.

التغيير .. ضرورة وليس خيارا

إن تغيير نمط الاستهلاك السائد في السلطنة كما هو الحال في بقية دول الخليج أصبح ضرورة وليس خيارا، حيث أصبح في السلطنة بالتحديد مطلبا ملحا في ضوء الدراسات المنشورة حول نضوب النفط خلال العقود القليلة المقبلة، وبالتالي الحاجة الملحة والمستعجلة إلى تنويع مصادر الدخل وبأسرع وقت ممكن، وهذه المسؤولية هي مسؤولية مشتركة يتحمل المواطن الجزء الأكبر منها وليس المخطط الاقتصادي أو السياسات الاقتصادية الحكومية فحسب.

وقد يتطلب تغيير السلوك نحو الادخار والاستثمار ومحاربة الثقافة الاستهلاكية المنتشرة، زيادة الوعي الادخاري والاستثماري والاقتصادي بشكل عام لدى شرائح المجتمع المختلفة كطلبة المدارس والجامعات وربات البيوت والموظفين من خلال دورات وبرامج تثقيفية وتدريبية، بهدف تعريفهم بكيفية الادخار وكيفية ترشيد الاستهلاك والبعد عن الهدر والإسراف وكيفية الاستثمار وإدارة الأموال الشخصية وتوزيعها في السبل الصحيحة التي تحاكي الحاضر وتتطلع إلى المستقبل بحكمة ومنطق سليم.

 

المواطن الواعي يجب أن يرجع إلى التأريخ ويتذكر كيف عاش أجدادنا وآباؤنا وكيف نعيش الآن، ونتصور كيف يمكن لأبنائنا العيش مستقبلا إذا عاد الزمان يوما وإذا نضب النفط الذي حبانا الله فيه، لذلك لا بد من الاستفادة من خيرات اليوم لتعزيز مصادر دخل للغد. فتنويع مصادر الدخل يفتح للإنسان آفاقا أرحب لسبل كسب العيش ويقلل من مخاطر التغيرات التي قد تطرأ على الدخل الوحيد.

كما أن المؤسسات الأكاديمية كالجامعات والمعاهد والمدارس قادرة على التأثير في الفكر الاقتصادي للأفراد، فضلا عن دور المؤسسات الاقتصادية الرسمية كالبنك المركزي الذي قد يلعب دورا مهما في توجيه الادخار وتغيير نمط الاستهلاك من خلال سياسة الإقراض الشخصي، وأرباب الأسر، وسوق مسقط بالتعاون مع صناديق التقاعد والاستثمار في إنشاء مشاريع جديدة تمثل فرصا استثمارية حقيقية لأصحاب المدخرات.

 

الاتحاد الأوربي

وقد قامت بعض الدول بتجارب ناجحة لمقاومة الثقافة الاستهلاكية؛ ففي الاتحاد الأوروبي، تم إصدار قوانين تمنع الشركات من إشراك أطفال دون الثانية عشر في الإعلانات التجارية، وتم حظر بث الإعلانات أثناء برامج الأطفال التي لا تتجاوز مدتها الثلاثين دقيقة، وفي بعض الولايات في أمريكيا تم حظر إنتاج أفلام الرعب التي تؤثر على سلوكيات الأطفال، وفي الصين قامت التنمية الاقتصادية على أساس معدلات مرتفعة للادخار والاستثمار. كما أن الأسرة والمدرسة لهما دور إيجابي في حفز التفكير الإيجابي نحو الاستهلاك والادخار كعدم الاستسلام من قبل الأسرة لرغبات الأبناء الاستهلاكية غير الضرورية، وتعليم الأبناء  كيفية التعامل مع المال، والتشجيع على فكرة الادخار وتعلم قواعد الإنفاق، وتعويد الأبناء أو الطلاب على فكرة الاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية، وربط استهلاك بعض الحاجات بنظام الحوافز، وضرورة التمييز بين المنتج المفيد والمنتج الضار، وتوعية الطلاب بخطر الترويج الإعلاني والاستغلال.

إن الإفراط في الاعتماد على الحكومة في تسيير الحياة الاقتصادية للأسر ساهم بشكل متزايد إلى الميل للاستهلاك على حساب المدخرات والتحول من الأدوار الإنتاجية قبل حقبة النفط من خلال الاهتمام بالزراعة وتربية الحيوانات وممارسة بعض الصناعات الصغيرة والحرفية والاعتماد الكبير على الذات إلى الأنماط الاستهلاكية السائدة بسبب المدنية، و تحسن مستوى المعيشة للمجتمع وارتفاع دخول الأفراد، والاتكالية على الدولة والهجرة من الأرياف إلى المدن وما رافق ذلك من تأسيس البنوك وانتشارها الكمي والجغرافي والتسابق فيما بينها على إغراء أصحاب الدخول المحدودة على الاقتراض البنكي من خلال تسهيل الديون والتقسيط حتى بات أكثر من 90% من الموظفين مدينين للبنوك المحلية رغم عدم الحاجة الحقيقية لكثير من تلك القروض، حيث ارتفعت حجم التسهيلات الائتمانية بالسلطنة من 757 مليون ريال عام 1985 إلى 10724 مليون عام 2010م حيث إن حوالي 40% من تلك القروض كانت موجهة للأغراض الاستهلاكية، فضلا عن  سعى النظام العالمي الجديد لتشجيع الفرد على الاستهلاك، و التطور التكنولوجي الهائل، والتأثير الكبير للإعلانات التجارية والتسويق للمنتجات من خلال الوسائل المتنوعة والمختلفة التي رافقت الثورة التكنولوجية ووسائل الاتصال المتقدمة، والتقليد الأعمى والتأثر بالآخرين، والنفاق الاجتماعي أو المباهاة، وضعف الإحساس والشعور مع الآخرين، حيث تشير إحصاءات البنك الدولي بأن هناك 25 طفلا يموتون بالدقيقة الواحدة حول العالم بسبب الجوع، كما أن استسلام الأهل لإلحاح الأبناء وضعف الالتزام بتعاليم الدين الحنيف من أسباب تفشي الثقافة الاستهلاكية والتغير في النمط الاستهلاكي للمواطن العُماني.

إضافة إلى أن مواجهة  الثقافة الاستهلاكية وتعزيز الثقافة الادخارية والإنتاجية تتطلب تعزيز وتقوية صراع ثقافة المقاومة في وجه ثقافة الاستهلاك. فتحويل المجتمع إلى مجتمع منتج قد يحتاج إلى إعادة النظر في بعض السياسات التربوية والتعليمية بهدف تأصيل سلوك الترشيد، وإعادة النظر في القناعات الشخصية، وتبني برامج توعوية إنتاجية متكاملة تبدأ من الأسرة مرورا بالمدرسة والمسجد ومؤسسات المجتمع المختلفة، وتحقيق التوازن بين الاستجابة لمتطلبات الحياة وتجنب القروض الاستهلاكية الذي قد يتطلب قوة إرادة ورغبة في التغيير في ظل الإغراءات التي تقدمها البنوك لأصحاب الدخل المحدود، بدليل إصرار بعض ذوي الدخل المحدود على الإنفاق في حدود الإمكانيات المتاحة، بل والتوفير في بعض الحالات كالهند والصين واليابان التي وصلت فيها نسب الادخار إلى 40-45% من الدخل، بينما بلغت نسبة الادخار الخاص في السلطنة 10% فقط.

 

* أستاذ الاقتصاد في جامعة اليرموك – الأردن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*