التخطيط المالي للأفراد.. وسيلة لتحقيق الكثير من الأهداف

د سامي  التخطيط المالي

إن للتخطيط المالي أهمية حيوية في حياة الأسر والأفراد في مختلف المجتمعات وبالأخص في مجتمعنا العماني، وتأتي أهمية التخطيط المالي؛ نظرا لوجود الكثير من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على المستوى المعيشي للأسر، فهناك الكثير من الخيارات الموجودة التي يتوجب على الأسر أن يتخذوا قرارات دورية بشأنها فمنها ما هو يومي ومنها ما هو أسبوعي وشهري وسنوي وقد تتجاوز المدة لتصل إلى 5 سنوات كما هو الحال في قرار شراء مركبة أو إلى 25 سنة كما هو الحال عند قرار شراء منزل.

كما أن هناك كما هائلا من المعلومات والسلع والخدمات التي تتنافس في اجتذاب المستهلكين ولهذا يتوجب علينا جميعا أن نتخذ قرارات فيها من حيث حاجتنا إليها وأولويتها وتكلفتها والعائد المادي والمعنوي المرجو منها. وتزداد أهمية التخطيط المالي في وقتنا الحاضر مواكبة مع الزيادات الناجمة عن توحيد الرواتب في القطاع العام بالإضافة إلى رغبة الكثير من العاملين في تحقيق الاستقرار المعيشي وامتلاك المنزل وزيادة الدخل وتنويعه،  والمعتمد على التخطيط الأمثل للاستثمار كل هذه التحديات التي  تدور في أذهان الكثيرين كان لا بد من تخصيص مقال يساعد على التعرف على بعض الأساسيات المهمة للتخطيط المالي للأفراد والذي قد لا يشتمل على الوصفة السحرية ولكنه يمثل بداية مهمة وأساسية نحو حياة أفضل.

يعود التخطيط المالي الحديث للأفراد إلى ما قبل العام 1970م حيث كان في السابق خدمة تقدم لأصحاب الثروات المالية الكبيرة؛  ولكن نظرا لازدياد أعداد الأفراد في الطبقة المتوسطة وارتفاع الدخول الشهرية والسنوية وتنوع مصدرها، إضافة إلى زيادة تعقيد الأدوات المالية الاستثمارية، وزيادة الوعي بأهمية التخطيط المالي برزت أهمية التخطيط المالي للأفراد في وقتنا الحالي كوسيلة لمساعدة المجتمع على تحقيق الأهداف التي يرغبون في الوصول إليها.

فالتخطيط المالي ببساطة عبارة عن مخطط مالي تفصيلي يعده المستشار المالي للأفراد والأسر، يوضح فيه الاحتياجات والأهداف وكيفية الوصول اليها. ويتضمن المخطط المالي:

  • الأهداف (كبناء أو شراء منزل أو سيارة أو ترفيه أو استثمار أو دراسة أو زيادة دخل أو القضاء على الدين أو أي شي آخر) والتي يجب أن يتم تحديدها بدقة وأن يتم تحقيقها خلال برنامج زمني محدد.
  • تحليل للوضع المالي للفرد أو الأسرة ويتضمن إعداد ما يسمى بالميزانية العمومية عند الشركات وهى ببساطة قائمة تحدد الوضع المالي وحجم الديون من خلال عرضها لقيمة كل من الأصول والالتزامات، بالإضافة إلى إعداد قائمة التدفقات المالية وهى رصد للإيرادات والمداخيل بالإضافة إلى النفقات والمصاريف خلال مدة زمنية معينة. وتساعد هذه القوائم على حصر ممتلكات والتزامات الأفراد والأسر بالإضافة إلى التعرف على آلية إنفاق الدخل الشهري. حيث يتم التعرف على نسب الإنفاق على الطعام والملبس والمسكن والنقل والسفر وغيرها من النفقات، وبالتالي من خلالها يمكن التعرف على أنماط الإنفاق والتي تمثل خطوة أساسية أولية لتحديد أوجه المشكلات التي تواجه الأسر والأفراد في الإنفاق.

 

  • تحديد الأهداف الاستثمارية ونوعيتها وكيفية الحصول على الأموال اللازمة لبدءالاستثمار وأهم الاستثمارات المتاحة.
  • إدراة المخاطر وأهمية الحصول على التأمين التكافلي أو العادي بأنواعه المختلفة (تأمين المركبات، تأمين المنزل ضد الحرائق والكوارث، التأمين الصحي لتفادي مخاطر الحوادث وإصابات العمل والوفاة المفاجأة)
  • التخطيط للتقاعد والتعرف على المبالغ التي يحتاجها الأفراد بعد سن التقاعد وما إذا كان مبلغ التقاعد الذي سوف يحصل عليه الفرد كافيا لتوفير حياة كريمة له بالإضافة إلى أن هذا النوع من التخطيط يعتبر حافزا لإيجاد واختيار بدائل استثمارية ذات عائد أفضل.
  • التخطيط لما بعد الوفاة والذي يكون من خلال الوصية وما يرغب الفرد في تركه للورثة وغيرهم أو ترك مبالغ للأعمال الخيرية.
  • التخطيط للحالات المفأجاة والأوضاع الاضطرارية وكيفية إدارتها.
  • التخطيط للمستقبل التعليمي لأفراد الأسرة من خلال من خلال اعتماد مخطط يحدد المبالغ التي سوف يحتاجها الأبناء لإكمال دراستهم الجامعية في المستقبل.

تعد هذه من أهم عناصر التخطيط المالي التي يحتاج الأفراد والأسر إلى التعرف عليها وإعدادها، ففي ظل غياب الأهداف والتخطيط يؤدي الى زيادة الإنفاق غير المخطط له والذي قد يثقل كاهل الأسر بالتزامات غير ضرورية. كما يجب أن يتميز المخطط المالي بالمرونة والمراجعة بشكل مستمر؛ وذلك نظرا لتغير التحديات التي تواجه هذه الأسر.

كما أن الاقتراض من البنوك بشقيها الإسلامي والتقليدي وغيرها من الجهات التمويلية يجب أن تتم بحكمة ووعي وأن لا تسيطر الأحلام والطموحات غير الواقعية على القرارات التي يتخذها الأفراد والأسر، الأمر الذي قد يثقل كاهلهم بالتزامات غير ضرورية ومن الممكن تجنبها. وعندما يأتي الأمر إلى الاقتراض فيوجد هناك بعض النقاط التي يجب أن تكون في حسابات الأسر وهى:

  • التأكد من طريقة الجهات التمويلية (البنوك وشركات التمويل) في احتساب الأقساط الشهرية فهناك الفائدة التناقصية وهناك الفائدة المركبة أو الثابتة كما تختلف الجهات في كيفية احتساب نسب التأمين على القروض.
  • تجنب البطاقات الائتمانية واستخدامها كوسيلة احترازية فقط في الحالات الطارئة والتأكد من تسديد المبالغ في فترة السماح؛ وذلك نظرا لارتفاع نسب الفائدة عليها التي قد تصل الى أكثر من 18%.
  • عدم استخدام الحدود القصوى للاقتراض والتأكد من الموازنة ما بين العائد المادي والمعنوي للقرض وما بين تكلفته. حيث نلاحظ بعض الأسر تقوم بالاقتراض لمدد زمنية تصل إلى 25 عاما للحصول على أكبر قرض ممكن لشراء منزل كبير أو سيارة فارهة دون وجود حاجة فعلية في الوقت الحاضر. كما تجد بعض الأسر تشتري منازل كبيرة تفوق حاجتها الفعلية والمستقبلية وبالتالي يثقلون أنفسهم بدفع أقساط عالية، في حين أن الاقتراض المعقول والمتزن يمكن الأفراد والأسر من استخدام الاقتراض لأجل الاستثمار وكوسيلة من وسائل الادخار من خلال استقطاع مبلغ شهري لشراء استثمار يعود على الأفراد والأسر بالنفع ويزيد من الأصول التي يملكونها؛ كما أنه يحرك عجلة الاقتصاد الوطني ويساعد على النمو الاقتصادي والاجتماعي.

وتتنوع طرق الادخار بتنوع طبائع الأفراد والأسر فهناك من يستطيع الادخار بسهولة ومنهم من لا يستطيع القيام بذلك، ومن الطرق الممكنة للادخار هي:

  • تحويل مبلغ الادخار إلى حساب آخر غير الحساب المعتاد الرئيسي الذي يستخدم للمشتريات وعدم استخراج بطاقة الصراف الآلي لهذا الحساب بحيث تصبح الطريقة الوحيدة لاستخراج المبلغ هي الذهاب إلى البنك.
  • تجنب المراكز التجارية الكبيرة والأسواق والعروض الترويجية إلا عند الحاجة إليها شريطة أن تكون هذه المشتريات من ضمن المخطط المعد مسبقا؛ حتى لا ينجذب إليها الأفراد والأسر وتؤدي بالتالي إلى مشتريات غير ضرورية.
  • اللجوء إلى الاقتراض لفترات قصيرة للاستثمار أو من خلال استقطاع نسبة أعلى من الراتب لتسديد القرض الإسكاني وهذا يؤدي إلى تقليل المبالغ المتاحة للإنفاق في الوقت الحاضر كما يقلل الفائدة الإجمالية على القرض.

كما أنه يتوجب علينا الإشارة إلى أهمية التركيز على الادخار وعدم إرهاق ميزانيات الأفراد والأسر بالنفقات غير الضرورية والتي تؤثر سلبا على النشاط العقلي والجسمي وعلى المجتمع بصفة عامة. فلهذا يتوجب على الجميع إيجاد مبلغ ادخاري أو احتياطي يغطي نفقات ما لا يقل عن ثلاثة أشهر الأمر الذي يضيف تحكما أفضلا وارتياحا نفسيا للأسرة في حال حدوث تغييرات مفاجئة أو نفقات غير متوقعة.

كما أنه من المهم التركيز على الأصول المالية وغير المالية من البداية حتى لو كانت بمبالغ قليلة وإيجاد مساحة كافية لها ضمن المخطط المالي لتنميتها. فالأصول غير المالية تتثمل في استثمار رأس المال البشري من خلال تطوير المهارات واكتساب المعرفة بصفة مستمرة دون توقف عن طريق الالتحاق بالدراسة أو الدورات التدريبية أو القراءة ، والاستثمار في الأصول الحقيقية كالعقارات وغيرها. أما الأصول المالية فأشهر أمثلتها الاستثمار في الأوراق المالية والسندات وصناديق الاستثمار في سوق مسقط للأوراق المالية وغيرها من الأسواق الاقليمية والعالمية.

الرسالة التي يمكن أن أختم بها هذا المقال هو التأكيد على أهمية وجود المخطط المالي داخل الأسرة ليساعد على تحديد الأهداف ورسم التطلعات المنشودة بما يحقق للأسرة وأفرادها الاستقرار أخذاً في الاعتبار مستوى الدخل والإنفاق الحالي والمستقبلي لتحقيق الرخاء والنماء ورفع المستوى المعيشي، وكلما كان التخطيط المالي ملازما لسياسة الانفاق المتبعه استطاعت الأسرة تحقيق الادخار والتوجه به نحو الاستثمار بما يتواءم مع إمكانياتها والمعطيات المتوفرة، وفي نفس الوقت تقل الحاجة إلى الاقتراض الذي يسسب الكثير من الهموم والمتاعب.

 

د.سامي بن سالم بن سعيد الخروصي

دكتوراه في التخطيط المالي للأفراد

جامعة السلطان قابوس

ksami@squ.edu.om

 

تعليق واحد

  1. مرحباً، هذا تعليق.
    لحذف تعليق، أدخل لوحة التحكم ← التعليقات. هناك سيكون لديك خيار لتعديل أو حذف التعليقات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*